أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

338

نثر الدر في المحاضرات

الباب الرابع عشر في الكذب قال دغفل : حمي النعمان ظهر الكوفة ، ومن ثم قيل : شقائق النّعمان ، فخرج يوما يسير في ذلك الظهر ، فإذا هو بشيخ يخصف النعل ، فقال : ما أولجك هاهنا ؟ قال : طرد النّعمان الرّعاء ، فأخذوا يمينا وشمالا ، فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض ، فنتجت الإبل ، وولدت الغنم ، وامتلأت السّمن ، والنّعمان معتمّ لا يعرفه الرّجل . قال : أو ما تخاف النعمان ؟ قال : وما أخاف منه لربما لمست بيدي هذه بين عانة أمه وسرّتها ، فأجده كأنه أرنب جاثم ، فهاج النعمان غضبا وسفر عن وجهه ، فإذا خزرات الملك ، فلمّا رآه الشيخ قال : أبيت اللعن ! ، لا تر أنك ظفرت بشيء ، قد علمت العرب أنه ليس بين لابتيها شيخ أكذب منّي ، فضحك النعمان ومضى . سمعت الصاحب « 1 » رحمة اللّه عليه ، يحكي عن الوزير أبي محمد المتنبّي أنّ بعض الأحداث من أهل بغداد من أولاد أرباب النّعم ، فارق أباه مستوحشا ، وخرج إلى البصرة ، وكان في الفتى أدب وظرف وفضل ، فدخلها ، وقد انقطع عنه ، وتحيّر في أمره ، فسأل عمّن يستعان به من أهلها من الفضلاء ، فوصف له نديم الأمير ، كان بها في ذلك الوقت من المهالبة فقعده ، وعرض عليه نفسه وعرّفه أمره فقال له : أنت من أصلح الناس لمنادمة هذا الأمير ، وهو أحوج الناس إليك إن صبرت منه على خلّة واحدة فقال : وما هو ؟ قال : هو رجل مشغوف بالكذب لا يصبر عنه ، ولا يفيق منه ، ولا بدّ لك من تصديقه في كل شيء يقوله ، وكلّ كذب يختلقه ، لتحظى بذلك عنده ، وإن لم تفعل ذلك لم آمنه

--> ( 1 ) هو الصاحب بن عباد ، المتوفى سنة 385 ه ، تقدمت ترجمته .